وجوه بلا ضمير: قراءة في الشخصية السيكوباتية والنرجسية

بقلم : د/ ياسمين جمال
لا يبدأ الأذى في العلاقات المؤذية بضربة واضحة، بل غالبًا ما يبدأ بطمأنة زائفة، وكلمات محسوبة، واهتمام يبدو صادقًا في ظاهره. هنا تكمن الخطورة الحقيقية للشخصية السيكوباتية والشخصية النرجسية، فكلتاهما لا تُدمّران الطرف الآخر فجأة، بل تُفرغانه من الداخل تدريجيًا، حتى يفقد ثقته بنفسه وهو لا يدرك متى بدأ الانهيار.
الشخص السيكوباتي لا يرى في العلاقة مساحة للمشاركة أو المشاعر، بل ساحة للسيطرة. يدخل حياة الآخرين بثبات وهدوء، يقرأ نقاط ضعفهم جيدًا، ويستخدمها لاحقًا دون تردد. لا يتورط عاطفيًا، ولا يتأثر بالألم الذي يسببه، بل قد يبدو في أقسى لحظات الأذى هادئًا، متماسكًا، وكأن ما يحدث لا يعنيه. الأخطر أن هذا النمط لا يترك جراحه واضحة، بل يزرع الشك داخل الطرف الآخر، فيبدأ الضحية في لوم نفسه بدلًا من التساؤل عن سلوك المعتدي.
أما الشخصية النرجسية، فتدميرها أكثر التواءً. فهي لا تهدمك دفعة واحدة، بل ترفعك أولًا، تُشعرك بأنك مميز، ثم تبدأ تدريجيًا في سحب هذا التقدير. مع الوقت، يتحول الإعجاب إلى نقد مستمر، والدعم إلى تقليل، والحب إلى مشروط. النرجسي لا يحتمل أن يراك أقوى أو أكثر ثقة، فيعمل دون وعي على إضعافك، حتى تظل محتاجًا لرضاه وتصديقه.
في كلتا الحالتين، يجد الطرف الآخر نفسه محاصرًا بمشاعر متناقضة؛ حب ممزوج بالخوف، وارتباط مشوب بعدم الأمان، وإحساس دائم بأنه مقصر أو مخطئ. هذا النوع من العلاقات لا يترك كدمات ظاهرة، لكنه يترك أثرًا نفسيًا عميقًا، يتمثل في فقدان الثقة بالنفس، والتردد في اتخاذ القرار، والشك المستمر في المشاعر والقدرات.
الخطورة الأكبر لا تكمن فقط في الأذى، بل في طريقة إنكاره. فالشخص السيكوباتي لا يعترف بالمسؤولية لأنه لا يشعر بها من الأساس، بينما النرجسي يعترف فقط بما يخدم صورته، ويعيد صياغة الأحداث ليخرج منها ضحية أو بطلًا. ومع الوقت، يصبح الطرف الآخر مرهقًا نفسيًا، يحاول الإصلاح وحده، ويبرر ما لا يُبرر.
من هنا، يصبح الوعي ضرورة نفسية لا قسوة فيها. فالعلاقات الصحية لا تُربك الإنسان، ولا تُقلّل منه، ولا تجعله يشك في قيمته. وأحيانًا، لا يكون الحل في المواجهة أو الشرح أو الانتظار، بل في الانسحاب بهدوء قبل أن يتحول الأذى إلى جزء من الهوية.
فبعض الوجوه لا تجرحك بصوت عالٍ، لكنها تفعل ذلك في صمت، وبلا ضمير.








