اقتصادسياحة وسفرسياسةعاجل

الإبراهيمية وحروب الإبادة في «زمن القلق السياسي» كتاب جديد للسيد الحراني

في زمن تتسارع فيه التحولات الدولية وتتشابك فيه مسارات الصراع السياسي والعسكري والاقتصادي، يأتي الجزء الأول من كتاب «زمن القلق السياسي ـ البطولة والخيانة والجفاف والفيضانات والإبراهيمة وحروب الإبادة» للكاتب الصحفي والباحث السياسي السيد الحراني «الصادر عن دار أكتب للنشر والتوزيع ـ في عدد الصفحات 230 صفحة ـ قطع متوسط» بوصفه محاولة جادة لفهم لحظة عالمية مأزومة، لم يعد فيها القلق مجرد حالة نفسية عابرة، بل تحول الى بنية حاكمة للعلاقات الدولية، ومكون اصيل في تشكيل الوعي الجمعي للشعوب، خاصة في المنطقة العربية والشرق الاوسط.

ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها ان العالم يعيش مرحلة قلق مركب، يتجاوز حدود الصراعات التقليدية بين الدول، ليمتد الى صراعات على الوعي والهوية والمعلومة والدين، حيث لم يعد الانسان مجرد ضحية جانبية للحروب، بل اصبح هو نفسه ساحة الصراع الاساسية. فالمعركة، كما يطرحها المؤلف، لم تعد تدار فقط بالدبابات والطائرات، وانما بالخطاب والسردية واعادة تشكيل المفاهيم.

وفي تصريحات خاصة، يؤكد السيد الحراني ان كتابه لم يكتب من موقع التنظير او المراقبة البعيدة، بل من قلب اللحظة التاريخية بكل ما تحمله من ارتباك وتهديد وانكسار، قائلا: «هذا الكتاب كتب من قلب القلق، لا من هامشه. حاولت ان افهم لا ان اروض الخوف، وان اطرح الاسئلة التي يخشاها كثيرون، لان اخطر ما نعيشه اليوم ليس الحروب وحدها، بل تغييب الوعي وتطبيع الانكسار».

وعن القلق كظاهرة سياسية واخلاقية يعالج الكتاب القلق بوصفه ظاهرة سياسية واخلاقية في آن واحد، لا مجرد انعكاس لحالة عدم الاستقرار. فالحراني يرى ان القلق يكشف هشاشة البنى السياسية القائمة، ويفضح غياب المشاريع الكبرى القادرة على انتاج معنى او افق للمستقبل. وفي هذا السياق، يربط بين تصاعد الازمات البيئية مثل الجفاف والفيضانات والتغير المناخي، وبين تهديدات مباشرة للامنين المائي والغذائي، معتبرا ان هذه الازمات ليست كوارث طبيعية فقط، بل نتائج مباشرة لنظام عالمي مختل في اولوياته وقيمه.

كما يتناول الكتاب الحروب والنزاعات المسلحة المعاصرة، ليس بوصفها احداثا منفصلة، بل باعتبارها حلقات في سلسلة واحدة تعيد تشكيل موازين القوى الدولية، وتكشف في الوقت ذاته عجز القانون الدولي ومؤسساته عن حماية الشعوب الضعيفة، في ظل منطق القوة والمصالح.

وعن الابراهيمية واعادة هندسة الوعي يخصص المؤلف مساحة تحليلية لافتة لمناقشة ما يعرف بمشروع «الابراهيمية»، الذي يراه مشروعا سياسيا وثقافيا يتجاوز الخطاب الديني المعلن، ويستهدف في جوهره اعادة هندسة الوعي الديني والثقافي في الشرق الاوسط بعد اخفاق مشاريع التفكيك الطائفي. وفي هذا الاطار، يؤكد الحراني ان القلق الذي يناقشه الكتاب لا ينبغي النظر اليه باعتباره علامة ضعف، بل بوصفه حالة وعي كاشفة، قائلا:
«القلق في جوهره ليس عجزا، بل دليل على ان الضمير ما زال حيا. المشكلة ليست في القلق، بل في تحويله الى صمت او تواطؤ».

وعن فلسطين في قلب القلق العالمي تحتل القضية الفلسطينية موقع الصدارة في كتاب «زمن القلق السياسي ـ البطولة والخيانة والجفاف والفيضانات والإبراهيمة وحروب الإبادة»، حيث يقدم المؤلف تحليلا موسعا لحرب السابع من اكتوبر وتداعياتها السياسية والانسانية، موثقا ما تعرض له قطاع غزة من قتل وتدمير ممنهج، ويصفه بوصفه نموذجا صارخا لجرائم الابادة الجماعية والتطهير العرقي، في ظل صمت دولي وتواطؤ سياسي مكشوف.
كما يناقش الكتاب محاولات تهميش حركات المقاومة الفلسطينية، وعلى راسها حركة حماس، معتبرا ان هذه المحاولات جزء من مشروع اوسع لتجريد الشعب الفلسطيني من ادوات الدفاع عن ذاته، ومؤكدا ان المقاومة في بعدها التاريخي والانساني تظل جزءا اصيلا من معادلة الدفاع عن الارض والهوية والكرامة.

وفي هذا السياق، يشدد الحراني على ان انحيازه في الكتاب لم يكن ايديولوجيا او دعائيا، بل انحيازا معرفيا واخلاقيا، موضحا: «لم اكتب لارضاء سلطة، ولا لمغازلة جمهور، ولا لتصفية حسابات. انحيازي الوحيد كان لحق الشعوب في الفهم، لان الوعي هو السلاح الاخير في زمن اختلال الموازين».

وعن الموقف المصري وتحديات الاقليم يتوقف الكتاب عند الموقف المصري من العدوان على غزة، مسلطا الضوء على ما يصفه بالموقف الصلب للدولة المصرية في مواجهة محاولات جرها الى صدام عسكري مباشر، او دفعها نحو القبول بمشاريع التوطين القسري للفلسطينيين في سيناء. ويبرز المؤلف دور القيادة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في التمسك بثوابت الامن القومي المصري والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، معتبرا ان استهداف مصر او اضعاف دورها هو جزء من مشروع اقليمي ودولي اوسع لاعادة تشكيل الشرق الاوسط.

ويقول الحراني في هذا السياق: «مصر ليست دولة عابرة في هذا الاقليم، واي محاولة لاضعافها هي جزء من مشروع اكبر لاعادة تشكيل الشرق الاوسط. الصمت عن ذلك خيانة للوعي قبل ان يكون خيانة للوطن».

ويمتد التحليل ليشمل التحديات التي تواجه النظام المصري في ظل مشهد اقليمي شديد الاضطراب، مؤكدا ان «زمن القلق السياسي» لا يعبر عن ازمة عابرة، بل عن حالة بنيوية تضرب المنطقة باكملها، في ظل غياب مشروع عربي مستقل قادر على الفعل والتاثير.

وعن ادوار اقليمية وازدواجية المعايير ينتقد الكتاب الرؤية الامريكية للشرق الاوسط باعتباره ساحة مصالح وثروات، مع اعتماد واشنطن على اسرائيل كذراع تنفيذية لفرض الهيمنة، في ظل صمت او تواطؤ من بعض القوى الاقليمية.

كما يقدم قراءات نقدية لادوار عدد من الفاعلين الاقليميين، من بينهم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وبعض الانظمة الخليجية، اضافة الى الدور الايراني الذي يرى المؤلف انه محكوم بتفاهمات غير معلنة تضبط سقف الصراع، بما يحفظ التوازن الاقليمي دون المساس بجوهر الهيمنة الامريكية.

كما يتناول الكتاب شخصيات ومحطات عربية مؤثرة، وعلى راسها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بوصفه رمزا لمرحلة شهدت صعود المشروع القومي العربي، ويقارن بين تلك المرحلة وما الت اليه الاوضاع العربية الراهنة من تراجع وتفكك. ويمتد التحليل الى المشهد السوري، خاصة التحولات المرتبطة بصعود ابي محمد الجولاني، باعتبارها نموذجا صارخا لازدواجية المعايير الدولية في تعريف الارهاب والشرعية.

وعن سد النهضة والقلق الافريقي في الملف الافريقي، يناقش الكتاب ازمة سد النهضة، مسلطا الضوء على محاولات رئيس الوزراء الاثيوبي ابي احمد، بدعم دولي واقليمي، استخدام السد كورقة ضغط سياسية تهدد الامن المائي المصري، وتستهدف تقليص الدور التاريخي لمصر في حوض النيل.

وعن القلق كطاقة وعي يختتم كتاب «زمن القلق السياسي ـ البطولة والخيانة والجفاف والفيضانات والإبراهيمة وحروب الإبادة» بتاملات فكرية عميقة حول مفاهيم البطولة والخيانة في زمن اختلال المعايير، معتبرا ان هذا العصر هو عصر امتحان المواقف في السياسة والفكر والاعلام.

ويدعو المؤلف الى اعادة الاعتبار للبعد الروحي والاخلاقي، لا بوصفه هروبا من الواقع، بل ركيزة للثبات والمقاومة، مؤكدا: «حين تسقط المعايير يصبح كل شيء مباحا، من القتل الى الخيانة. استعادة القيم ليست رفاهية، بل شرط لانقاذ السياسة من التحول الى اداة تدمير».

ويخلص الكتاب إلى أن القلق ليس المشكلة في حد ذاته، بل ما يكشفه من هشاشة البنى السياسية وغياب المشروع العربي المستقل. فالكتاب لا يسعى الى تبرير القلق او التعايش معه، بل الى تحويله الى وعي نقدي وطاقة تغيير، لان الفهم هو الخطوة الاولى نحو التحرر، ولان التاريخ لا ينسى، والضمير الانساني مهما طال صمته لا يبرئ خيانة ولا يسقط حقا. ويؤكد الحراني أن الأجزاء التالية من الكتاب ستتعرض بشكل أوسع إلى آلية العمل السياسي العام في الشرق الأوسط في ظل تطور ملحوظ للدور الأمريكي من أجل دعم إسرائيل وما تعمل على حمايته من مصالح الإدارة الأمريكية عسكرياً أو إقتصاديا.

والجدير بالذكر أن السيد الحراني كاتب صحفي وباحث سياسي وروائي مصري، تخرج في كلية الاعلام بجامعة القاهرة. عمل في عدد من كبرى المؤسسات الصحفية المصرية، من بينها اخبار اليوم، الاهرام، المصري اليوم، الوطن، مصراوي، الفجر، والبوابة. وعضو سابق في لجنة الاعلام بالمجلس القومي للمرأة، وعضو حالي بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية ونقابة الصحفيين ونقابة اتحاد الكتاب ونقابة السادة الأشراف.
كتب مذكرات عدد من الشخصيات البارزة في الفكر والسياسة والفن، من بينهم الدكتور مصطفى محمود، الدكتور سعد الدين ابراهيم، الدكتور رفعت السعيد، المفكر جمال البنا، رجل الاعمال احمد الريان، الفنانة ماجدة الصباحي، الفنانة فاتن حمامة، والفنان نور الشريف. وقدم برنامجا تلفزيونيا بعنوان «مسافر بين الشك واليقين»، وله عدد من المؤلفات الفكرية والروائية، من بينها روايات «مارد»، «قضية الكوراني»، وكتب «الجماعات الاسلامية من تاني»، «الفيلسوف المشاغب»، «الوثائق المجهولة للاخوان المسلمين»، «ملعون ابو الواقع»، «فلسفة الموت»، و«الاخوان القطبيون».

Facebook Comments Box

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى