اقتصادسياسةعاجل

تمكين المرأة أم إعادة إنتاج الضغط المجتمعي؟

بقلم : د/ ياسمين جمال
لم يعد الحديث عن تمكين المرأة في المجتمع المصري مجرد قضية اجتماعية، بل أصبح خطابًا عامًا تتداوله المنصات الإعلامية والمؤسسات المختلفة، غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما نعيشه بالفعل تمكينًا حقيقيًا للمرأة، أم أننا أمام صيغة حديثة لإعادة إنتاج الضغط المجتمعي عليها تحت مسمى التقدم والنجاح؟
لقد انتقلت المرأة من دائرة القيود التقليدية إلى مساحة تبدو أوسع ظاهريًا، لكنها أكثر تعقيدًا في جوهرها؛ إذ طُلب منها أن تكون ناجحة مهنيًا، مستقرة أسريًا، قوية نفسيًا، قادرة على التحمّل، وفي الوقت نفسه مطالبة بإثبات ذاتها بشكل دائم، وكأن قيمتها أصبحت مرهونة بقدرتها على الجمع بين كل هذه الأدوار دون أي إخفاق أو شكوى.
ومن منظور علمي، يُفترض أن يقوم مفهوم التمكين على منح الفرد حرية الاختيار، ودعم قدرته على اتخاذ القرار، وتمكينه من رسم مسار حياته وفق إمكاناته ورغباته. إلا أن الواقع يشير إلى أن كثيرًا من النساء يُدفعن إلى أدوار لم يخترنها بالكامل، وإنما فُرضت عليهن عبر توقعات مجتمعية جديدة لا تقل صرامة عن سابقاتها.
إن تعدد الأدوار في حد ذاته ليس إشكالية، بقدر ما تمثله حالة التضارب بينها وغياب الدعم النفسي والاجتماعي اللازم لأدائها. فالمرأة اليوم مطالبة بأن تنجح في كل شيء، دون أن يُسمح لها بالتعب، أو الاعتراف بالضغط، أو حتى إعادة النظر في اختياراتها دون أن تتعرض لأحكام قاسية أو تشكيك في قدراتها.
والرأي الجريء الذي لا بد من طرحه هو أن خطاب تمكين المرأة، في كثير من الأحيان، انشغل بالشكل والنتائج أكثر من الإنسان نفسه. نحتفي بالإنجازات، بالألقاب، وبالصور المثالية، بينما نتجاهل الأعباء النفسية والاجتماعية التي تُلقى على عاتق المرأة باسم القوة والاستقلال.
فالتمكين الحقيقي لا يعني أن نطالب المرأة بأن تكون “خارقة”، بل أن نعترف بإنسانيتها الكاملة؛ بحقها في الاختيار، وحقها في الخطأ، وحقها في التراجع، وحقها في أن تعرّف النجاح وفق ظروفها لا وفق مقاييس جاهزة. تمكين المرأة لا يكون بإرهاقها تحت ضغط إثبات الذات المستمر، بل ببناء وعي مجتمعي يعترف بها كشريك متكافئ، لا كمشروع تحدٍّ دائم.
إن المجتمع الذي يسعى إلى تمكين حقيقي للمرأة هو ذاك الذي يوازن بين الطموح والدعم، وبين التقدير والرحمة، ويدرك أن القوة الحقيقية لا تعني غياب الضعف، بل الاعتراف به والتعامل معه بوعي ومسؤولية

Facebook Comments Box

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى