اقتصادرياضةسياحة وسفرسياسةعاجل

بين الاستقلال والدعم، وبين القوة والاحتياج: قراءة نفسية اجتماعية للعلاقة بين الرجل والمرأة

بقلم : د/ ياسمين جمال

تطرح بعض الخطابات المعاصرة صورة المرأة القيادية بوصفها نموذجًا مكتفيًا بذاته، لا يحتاج إلى علاقة عاطفية أو دعم من الرجل، وكأن الاستقلال المهني والنفسي يلغي تمامًا فكرة الاحتياج الإنساني. غير أن القراءة النفسية والاجتماعية لطبيعة العلاقات بين الجنسين تشير إلى عكس ذلك؛ فالقوة لا تُلغي الاحتياج، بل قد تعمّقه بصورة أكثر صدقًا ونضجًا.
فالمرأة القيادية، التي تتحمل المسؤوليات وتخوض معارك الحياة بثبات، لا تفقد في داخلها طبيعتها العاطفية. بل على العكس، كلما كانت شخصيتها أكثر نضجًا وقوة، كانت أكثر قدرة على الحب الصادق، وأكثر استعدادًا للاستثمار العاطفي الحقيقي داخل العلاقة.
المرأة القوية لا تحب من باب الفراغ أو التعلّق المرضي، بل تحب بوعي واختيار. وحين تمنح قلبها، فإنها تمنحه بكامل صدقها، فتتحول العلاقة بالنسبة لها إلى مساحة أمان واحتواء، لا إلى مجرد تجربة عابرة. وفي كثير من الحالات، يصبح الرجل الذي تحبه هو محور حياتها العاطفية، ليس من باب الضعف، بل من باب الإخلاص والالتزام النفسي تجاه العلاقة.
فهي قد تكون قادرة على إدارة مؤسسة أو اتخاذ قرارات مصيرية، لكنها في الحب تختار أن تخلع درعها، وتسمح لنفسها أن تكون إنسانة تبحث عن القرب والاحتواء. وكلما كانت المرأة أكثر قوة واستقلالًا، كانت أكثر حرصًا على الحفاظ على العلاقة التي تؤمن بها، لأنها لا تدخل العلاقات بدافع الحاجة، بل بدافع القناعة والصدق.
ومن هنا، فإن المرأة القوية لا تبحث عن رجل ينافسها، بل عن رجل يستوعب هذا التوازن بين قوتها واحتياجها. رجل يدرك أن خلف الشخصية القيادية قلبًا يحب بعمق، وأن هذا الحب ليس ضعفًا، بل أحد أصدق تعبيرات القوة الإنسانية.
في المقابل، تكشف الدراسات النفسية أن بعض الأنماط غير السوية، كالشخصية النرجسية أو السيكوباتية، قد تستغل هذا الصدق العاطفي لدى المرأة القوية. فالنرجسي يرى في حبها وسيلة لتعزيز ذاته، بينما السيكوباتي قد يستغل إخلاصها لتحقيق مصالحه، دون تقدير حقيقي لمشاعرها.
أما في العلاقات الصحية، فإن الرجل السوي لا يخاف من حب المرأة القوية، ولا من نجاحها، بل يقدّر صدقها ووفاءها، ويدرك أن هذه المرأة حين تحب، فإنها تمنح العلاقة عمقًا واستقرارًا لا يُشترى بالقوة أو المال.
إن القوة الحقيقية لا تعني البرود، والاستقلال لا يعني العزلة، والقيادة لا تُلغي الحاجة إلى علاقة صادقة. فالمرأة القوية قد تبدو صلبة أمام العالم، لكنها حين تحب بصدق، فإنها تحب بكل قلبها، وتبذل جهدها للحفاظ على هذا الحب، لأنه بالنسبة لها ليس مجرد علاقة… بل اختيار حياة.

Facebook Comments Box

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى