الوعي الغائب: لماذا لا تتحول الأزمات إلى دروس؟

بقلم : د/ ياسمين جمال
في كل مرة تمر المجتمعات بأزمة كبرى، يتردد السؤال نفسه: هل سنتعلم هذه المرة؟ ورغم كثرة الأحداث والتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدناها في السنوات الأخيرة، إلا أن الملاحظة الأوضح أن الأزمات تمر، بينما يظل الوعي ثابتًا في مكانه، لا يتقدم بالسرعة المطلوبة ولا يواكب حجم التحديات.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود الأزمات، فالأزمات جزء طبيعي من حركة المجتمعات وتطور الدول، لكن الإشكالية تكمن في طريقة التعامل معها. كثير من الأزمات تتحول إلى مجرد حدث عابر، ينشغل الناس بتفاصيله لفترة قصيرة، ثم يُطوى الملف دون مراجعة حقيقية أو محاسبة فكرية أو مجتمعية، وكأن شيئًا لم يكن.
في المشهد السياسي والاجتماعي، يبرز الوعي كعنصر غائب حاضر في الوقت نفسه. الجميع يتحدث عنه، لكن القليل يعمل على بنائه. فالوعي لا يُختزل في الشعارات، ولا يُصنع بالمنشورات السريعة أو ردود الأفعال الانفعالية، بل هو نتاج تراكم معرفي وثقافي، يبدأ من التعليم، ويمر بالإعلام، وينتهي بالممارسة اليومية للمواطن في حياته العامة.
غياب الوعي الحقيقي يجعل المجتمع عرضة لإعادة إنتاج الأخطاء نفسها. تتغير الوجوه، وتتبدل الظروف، لكن السلوكيات تبقى كما هي، لأن الجذور الفكرية لم تُمس. وهنا يصبح الخطر مضاعفًا، إذ تتحول الأزمات من فرصة للتصحيح إلى مجرد محطة إضافية في مسار طويل من الدوران في المكان.
الدولة الحديثة لا تُبنى فقط بالمشروعات والبنية التحتية، بل تُبنى بعقل قادر على الفهم والتحليل والمشاركة الواعية. المواطن الواعي لا يكتفي بالمشاهدة، ولا ينساق خلف الانفعالات اللحظية، بل يدرك أن دوره لا يقل أهمية عن دور المؤسسات، وأن المشاركة تبدأ من الفهم قبل أي شيء آخر.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس الفقر أو الأزمات الاقتصادية، بل الاعتياد على الخطأ، والتعايش مع الخلل، والتعامل مع الاستثناء باعتباره قاعدة. في هذه الحالة، يصبح الوعي غائبًا، لا لأنه غير موجود، بل لأنه مُهمّش ومؤجل دائمًا.
يبقى السؤال مطروحًا: متى تتحول الأزمات إلى لحظة إدراك حقيقي؟ ومتى يصبح الوعي مشروعًا مجتمعيًا لا رد فعل مؤقت؟ الإجابة لا تتوقف على حدث بعينه، بل على استعداد المجتمع لأن ينظر إلى نفسه بصدق، ويعترف بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، قبل أي شيء آخر.








